ابن عجيبة

368

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ أي : أصحابكم ، أو أقرباؤكم ، وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها ؛ اكتسبتموها ، وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها أي : فوات وقت إنفاقها ، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ؛ لحسنها وسعتها ، فإن كان ذلك أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : من الإيمان بالله وصحبة رسوله ، وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ، فآثرتم ذلك ، وتخلفتم عن الإيمان والهجرة ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي : بعقوبة عاجلة أو آجلة ، أو بنصر وفتح على المؤمنين ، كفتح مكة وغيرها ، والمراد بالمحبة : الاختيارية دون الطبيعة ؛ فإنها لا تدخل تحت التكليف ، والتحفظ عنها ؛ لأن حب الأوطان والعشائر طبيعي ، والحب المكلف به اختياري ، بحيث يجاهد نفسه في إبدال الطبيعي بالاختيارى . ثم هدد من وقف مع حب الأوطان بقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ لا يرشدهم ولا يوفقهم . وفي الآية تهديد عظيم ، وقلّ من تحفظ عنه . قاله البيضاوي . الإشارة : الهجرة من أوطان الغفلة واجبة ، ومفارقة الأصحاب والعشائر ؛ الذين لا يوافقون العبد على النهوض إلى اللّه فريضة ، فيجب على المريد أن يهاجر من البلد التي لا يجد فيها قلبه ، ولا يجد فيها من يتعاون به على ربه ، كائنة ما كانت ، وما رأينا وليّا قط أنتج في بلده ، إلا القليل ، فلما هاجر صلّى اللّه عليه وسلّم من وطنه إلى المدينة . وحينئذ نصر الدين ، بقيت سنة في الأولياء ، لا تجد وليا يعمر سوقه إلا في غير بلده ، ويجب عليه أيضا أن يعتزل من يشغله عن اللّه من الآباء والأبناء والأزواج والعشائر ، وكذلك الأموال والتجارات التي تشغل قلبه عن اللّه ، بعد أن يقيم في أولاده حقوق الشريعة ، فاللبيب هو الذي يجمع بين الحقيقة والشريعة ، فلا يضيع من يعول ، ولا يترك حق من يتعلق به من الزوجة أو غيرها ، ويذكر اللّه مع ذلك ، فيخالطهم بحسه ، ويفارقهم بقلبه ، فإن لم يستطع وأراد دواء قلبه فليخير الزوجة ، ويوكل من ينوب عنه في القيام بحقوق العيال ، حتى يقوى قلبه ويتمكن مع ربه ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 1 » . ولإبراهيم بن أدهم رضى اللّه عنه : هجرت الخلق طرا في رضاكا * وأيتمت البنين لكي أراكا فلو قطعتني إربا فإربا * لما حنّ الفؤاد إلى سواكا وبالله التوفيق

--> ( 1 ) الآيتان : 2 - 3 من سورة الطلاق .